سوريا والحرب العالمية الثالثة

12746077_820270354750198_1359276249_n

بقلم/ سلام العبيدي

لا يخفى أن الغرب يحاول وعلى مدى بضع سنوات شيطنة روسيا البوتينية. هذه المحاولات بلغت ذروتها على خلفية الأحداث الأوكرانية في شتاء عام 2014، أما انخراط روسيا عسكرياً في النزاع السوري فقد أعطى مبرراً إضافياً للغرب لتأصيل هذه النظرة الى موسكو.

رئيس الوزارء الروسي دميتري ميدفيديف يحذر من حرب عالمية ثالثة بسبب النزاع في سوريا. كنية “ميدفيديف” مشتقة من كلمة “ميدفيد”، أي دب باللغة الروسية. الدب في الأدبيات الروسية يعني الكثير. في روسيا يقولون: لا تيقظوا الدب من سباته في الشتاء، لأنه إذا استيقظ سيحطم كل شيء من حوله. أساساً كلمة “ميدفيد” مركبة من كلمتين – “ميد”، وتعني العسل و “فيد”، وتعني معرفة. وهكذا فإن الدب باللغة الروسية يعني “عارف العسل”، أو “خبير العسل”. ولكن ما علاقة رئيس الوزراء الروسي بالعسل، ولماذا “خبير العسل” أمسك بزمام المبادرة في سوريا بدلاً من بطل “الجودو” الرئيس فلاديمير بوتين؟

في عام 2008 سلّم بوتين مقود السلطة لميدفيديف. في ذلك العام أقدم الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي على مغامرة عسكرية في أوسيتا الجنوبية، معولاً على دعم الرئيس الأميركي جورج بوش، لكن بوش الابن، الذي لم يظهر أي حنكة سياسية على مدى ثماني سنوات من حكمه، وذاع صيته كصانع حروب، لم ينقذ حليفه الجورجي من جبروت الآلة العسكرية الروسية، على أقل تقدير لأن حزبه الجمهوري كان في موقع الخاسر في المعترك الانتخابي الأميركي مع الديمقراطيين، نظراً للهزائم السياسية والأخلاقية والمعنوية، والى حدٍّ ما العسكرية في العراق وأفغانستان.

الرئيس ميدفيديف أمر جيشه بردع جورجيا، ومن ثم الاعتراف باستقلالها الى جانب أبخازيا، ثأراً من الغرب وحلفائه في بعض الشرق، على الاعتراف باستقلال كوسوفو عن صربيا.

الغرب وإن ابتلع تلك الصفعة الروسية، إلا أنه لم يفوتها على روسيا. فكان الرد في أوكرانيا – القلب النابض لروسيا. أوكرانيا سقطت سياسياً في قبضة أميركا، لكن روسيا أسقطتها عسكرياً في حرب داخلية. ثمن الحرب باهض بالنسبة للكرملين، لكن الدولة التي تريد أن تستعيد عظمتها يجب أن تدفع الثمن ليس في محيطها الجغرافي الحيوي فحسب، وإنما في مناطق نفوذها التاريخية أيضاً.

المحافظون الجدد ليسوا أقل حنكة من ساسة الكرملين، أما مالهم فيفوق عشرات، وربما مئات المرات ما استطاعت روسيا كسبه من بيع النفط والغاز وثرواتها الأخرى بأسعارٍ فائقة على مدى ما يقارب العقد من الزمن.

كانت الصفعة الجديدة في ليبيا. بوتين والقذافي اتفقا على “صفقات القرن” التي تقدر بالمليارات، لكن العقيد الليبي قتل بدمٍ بارد بغطاء جوي غربي. وفي ذات الأثناء ازدادت وتيرة العمل التخريبي ضد سوريا. نعم، ازدادت، لأنها بدأت قبل إسقاط القذافي بأشهر عديدة. ولطالما حذرت موسكو دمشق من المؤامرات التي تحاك ضدها وضرورة اليقظة وتفويت الفرصة على المتآمرين، لكن الأحداث تطورت بسرعة تفوق قدرة النظام على التعامل معها.

الحق يقال إن الرئيس “العسلي” ميدفيديف ذهب الى دمشق آنذاك وحذّر الأسد من أن سوريا يمكن أن تكرر مصير ليبيا إن لم تتخذ الاحتياطات اللازمة. لكن كما يقول المثل العربي: “ما العمل بعد أن وقع الفأس على الرأس”.

في عام 2011 امتنعت روسيا “العسلية” عن التصويت على القرار الليبي الذي أطاح القذافي وليبيا معه، وفي عام 2012 وما بعده استخدمت روسيا “الفيتو” أكثر من مرة لمنع تكرار السيناريو الليبي في سوريا.

ما تقوم به روسيا في سوريا اليوم يفوق خيال الكثيرين في العالم، لا سيما في الغرب، الذي لا يتورع عن اللجوء حتى الى الأساليب العسكرية، ما دفع ميدفيديف الى التحذير من حربٍ عالمية ثالثة.

الرجل “العسلي” ربما يشعر بأن سقوط الدولة الليبية يعود الى إغفاله، لذا أراد أن يظهر بمظهر الرجل الحازم.

ولكن لماذا بوتين يختبئ في ظل الرجل العسلي؟ هل هي مناورة، أم ثمة مفاجأة في الأفق؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.