المقاومـة.. كبـش فـداء لاختبـار الـولاء

images

كتب / أحمد الشرقاوي…

كل ما قيل عن خلفيات تصنيف حزب الله منظمة “إرهابية” من قبل “السعودية”، سواء بقرار من مجلس التعاون الخليجي أو بيان من وزراء الداخلية العرب، إنما يعكس وجها من أوجه الحقيقة وليس كل الحقيقة..

لكن اتهام القاهرة لحركة حماس باغتيال النائب العام المصري هشام بركات قبل 8 أشهر، وسعيها لاستصدار قرار قضائي لتصنيفها منظمة إرهابية، يكشف الوجه الآخر للحقيقة في صورتها المكتملة، والتي اختزلناها بالرمز والإشارة بدل فصيح العبارة في العنوان أعلاه، وسنحاول الإضاءة عليها في هذا المقال..

وكأن ما فعلته “السعودية” بالإسلام من تخريب، وبالمسلمين من تشويه على مستوى المنطقة والعالم، وبشكل مُمنهج خبيث، أقله منذ تفكيك العراق حتى حرب اليمن، مرورا بإسقاط ليبيا وخراب سورية وسحق اليمن.. لم يكن كافيا ليُقنع صهاينة البيت الأبيض أن المهلكة الوهابية تستحق أن تتوج شرطيا لأمريكا في المنطقة..

كان كل هم “السعودية” أن تثبت لأسيادها في واشنطن أنها مخلصة في ولائها، متفانية في عملها، صادقة في سعيها، وفية كالكلب في حفاظها للود، وكالتيس في قراع الخطوب لهزيمة إيران وتفكيك محور المقاومة الذي يمثل تهديدا وجوديا لـ “إسرائيل”..

وكعربون محبة، جاهدت مملكة الشر والظلام بالمال الحرام والإعلام المُدجّن في كيّ الوعي الجمعي للأمة بالكذب والدجل والتضليل، لاستبدال العدو “الإسرائيلي” بالعدو الإيراني، من مدخل الإديولوجيا الدينية في نسختها المُتطرّفة والمُشوّهة إلى أقصى الحدود عن النسخة الأصلية من الإسلام السمح الجميل..

والحقيقة، أن “السعودية” وعبر إمبراطوريات إعلام الخليج، نجحت فيلك أيما نجاح في المشرق العربي دون المغرب العربي بسبب اختلاف العقليات، بين العقل البياني المشرقي الذي يستمد قناعاته من خطاب السرد والنقل عن المأثور الديني والتاريخي المؤدلج، والعقل البرهاني المغاربي الذي يعتمد مبدأ الشك ومنهجية النقد في تفكيك الخطاب لتمييز الحق من الباطل، حتى لو لبّس الباطل رداء الدين وعمامة التاريخ.

وكانت “السعودية” كلما قدمت تنازلا مذلا يصمها بالخزي والعار ضد ثوابتها الدينية ومبادئها القومية وقيمها الأخلاقية التي تقول أنها تصدر عنها، إلا وطالبتها أمريكا بالمزيد، في عملية ابتزاز ممنهجة لا حدود لها..

وكان واضحا لإيران وجمهور محور المقاومة الذين يرفعون شعار “هيهات منا الذلة”، أن تصرفات “السعودية” الرعناء، إنما تنم عن حالة مرضية خطيرة تعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”عقـدة الإهانـة”، ومفادها، أن الحكام الذين يقبلون بالذل ممن هم أقوى منهم كحال ‘آل سعود’ مع أمريكا و”إسرائيل” مثلا، يسقطونه على شعوبهم التي تقبل مُكرهة العيش في ذل وإهانة عظيمة بسبب عقدة الخوف..

كما أن فقهاء السلاطين ساهموا أيما مساهمة في تجهيل الناس، وزرع روح الخنوع والاستسلام في نفوسهم من خلال مقولات من قبيل “وجوب طاعة ولي الأمر حتى لو كان ظالما وفاجرا ومستبدا وفاسدا ما لم يكفر”، وغيرها مما لا يسمح المجال بسردها، وذلك لشرعنة القهر والظلم والاستبداد والفساد باسم الله العادل الرحيم، في حين أن الوصفة السحرية للخروج من هذا الواقع المزري، والتحرر من سجن الإقطاع، كتبها الله لعباده كافة في التوراة والإنجيل والقرآن، وسماها روح الجهاد للدفاع عن النفس والأرض والمال والعرض ومقاومة الظلم والاستبداد والفساد في الأرض، واشترى من المؤمنين الذين أدركوا عمق هذه الحقيقة أنفسهم بأن لهم الجنة، وأن استشهادهم في سبيل الله ليس النهاية بل فقط البداية لحياة الخلود في النعيم الدائم المقيم بحضرة الجلالة.

وبتوقيع الرئيس أوباما بمعية الكبار الاتفاق النووي مع إيران، فهمت “السعودية” أن اللعبة انتهت، وأن أمريكا زمن عقلانية أوباما ليست هي أمريكا زمن تهوّر بوش الصغير، حين كانت تقبل ببيع دماء جنودها من أجل أوهام نفوذ الآخرين، وأن خيار واشنطن استقرّ أخيرا على القبول بالواقع كما هو، لا كما تريده “السعودية” أن يكون.

هذا الواقع يقول، أن إسقاط الدولة في العراق كان خطأ كبيرا، وأن إسقاط الدولة في ليبيا كان قرارا غبيّا، وأن إسقاط الدولة في سورية سيكون قرارا خطيرا سيفجر المنطقة والعالم، وأن أمن “إسرائيل” لا يستحق أن تحرق من أجله روما الجديدة إمبراطوريتها بالكامل، وأن النفوذ “السعودي” لا يُعطى بقرار أمريكا أو دولي بسلاح المال، بل يكتسب بالقوة والاقتدار الذاتي، وأن المشهد كما هو واضح اليوم في المنطقة يقول، أن هناك ميزان جديد بمعادلة ثلاثية الأضلاع مشكلة من إيران وتركيا و”إسرائيل”، وأن لا مكان لضلع رابع يكون من نصيب العرب ليكتمل بناء خيمة الأمن الإقليمي.

ووفق هذا المشهد، يستطيع أي منظر إستراتيجي، أن يضع أصبعه على مكمن الخلل، ويقول لـ’آل سعود’ الأغبياء، أنهم أضاعوا الكثير من الوقت والجهد والمال في حرب كان من المستحيل كسبها ضد إيران، وبدل أن تسعى “السعودية” لإلغاء إيران كقوة عظمى عجزت أمريكا بجبروت قوتها العسكرية والسياسية والمالية على احتوائها، كان عليهم أن يفهموا باكرا، أن التفاهم مع إيران بالحوار من منطلق الأخوة في الإيمان، والانخراط معها في تنزيل مشروع الوحدة الإسلامية الذي تدعو إليه واقعا على الأرض امتثالا لأمر السماء، ولو كانت فعلت، لكان من شأن ذلك أن يحول الأمة العربية والإسلامية إلى أعظم قوة تدين لها شعوب الأرض.. ولو كانت فعلت، لكانت تركيا ومصر وكل الدول العربية والإسلامية سارعت للانخراط بحماسة في هذا المشروع الرباني العظيم.

لكن، لا حياة لمن تنادي، لأنها لا تعمى الأبصار بل تعمى القلوب التي في الصدور، خصوصا القلوب المظلمة التي يستبد بها الحقد والحنق والبغضاء والكفر والنفاق، كقلوب أعراب آل سعود الذين يصدق فيهم قوله تعالى، إن الأعراب أشد كفرا ونفاقا.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.