ترامب و المئة يوم لحكمه.. جعبة فائضة بالعجز وخيارات الحرب

قلم-وورقة

كتب/.. فؤاد الوادي
العجز والفشل التام على المستويين الداخلي والخارجي هو حصاد المئة يوم من حكم الرئيس ترامب الذي استبق وصوله الى البيت الأبيض بسلسلة من استعراض العضلات المفرط الذي سرعان ما ارتطم بالواقع الأميركي الذي يمنع على الرئيس الأميركي – الجهة المنفذة للسياسة الأميركية – تجاوز الحدود و الخطوط الحمراء الموضوعة والمرسومة من قبل الدولة العميقة وصناع القرار الاميركيين الذين يضعون استراتيجية الولايات المتحدة الداخلية والخارجية فيما يبقى الرئيس مجرد أداة تنفيذية وواجهة تعكس وجه السياسة الاميركية.‏
ترامب الذي بدأ عهده بسلسلة من القوانين والاجراءات الداخلية – قانون يمنع دخول اللاجئين وقانون إلغاء الرعاية الصحية وقانون الضرائب – كنوع من القصف التمهيدي في محاولة استباقية لحسم معاركه الداخلية بالضربة القاضية لم يلبث أن اصطدم بالقوة الخفية في الولايات المتحدة التي يمثلها الكونغرس الاميركي بمجلسيه النواب والشيوخ، الكونغرس الذي يفرض قوانين صارمة تقيد عمل وحرية الرئيس مهما كانت قاعدته الشعبية والحزبية عريضة وواسعة وكبيرة، فقانون منع دخول اللاجئين الى الولايات المتحدة وبعده قانون إلغاء الرعاية الصحية لم يتم إيقافهما وتجميدهما من الكونغرس الاميركي بل تم ذلك عبر قضاة أحد الولايات الاميركية بموجب القوانين الصارمة التي تتماشى مع سياسة الدولة العميقة في الولايات المتحدة وليس مع أهواء وسياسة الرئيس ، لكن هذا لا يلغي بالطبع تلاقي الامرين معا أي ما يريده الرئيس وما تريده الدولة العميقة تنفيذا لمصالح البلاد العظمى.‏
على المستوى الخارجي لم تكن شدة الصفعات والصدمات التي تلقاها ترامب بأ قل من تلك الخارجية فما إن حاول مقاربة الواقع بشيء من الموضوعية ونقصد هنا قضايا المنطقة وخصوصا الازمة في سورية والمعادلات الناشئة عنها والتي غيرت وجه المشهد الدولي بعد صعود الروسي والصيني الى المسرح الدولي وبقوة، حتى اتُخذ القرار الأميركي من قبل النظام العميق في الولايات المتحدة بكبح جنوح ترامب نحو التقارب مع الروسي ومحاربة الإرهاب والتعاون مع الدولة السورية والعودة به الى الحظيرة الأميركية التي تمنع ذلك في المرحلة الراهنة التي تحتاج فيها واشنطن الى مزيد من الفوضى والحروب بهدف الاستثمار فيها قدر الإمكان عبر ابتزاز مختلف الأطراف وفي مقدمتهم حلفاؤها وأدواتها في المنطقة والعالم.‏
ترامب قال في معرض تقييمه للمئة يوم الماضية: إن أيامه الماضية في البيت الأبيض كانت مثمرة جداً، وهذا قد يكون صحيحاً إن كان المنظار الذي يرى ويقارب فيه ترامب قضايا بلاده الداخلية والخارجية ، هو منظار التاجر الصرف لأنه حقق لبلاده مكاسب مادية ما لم يحققه أي رئيس خلال هذه المدة القصيرة فهو نجح باستحلاب بقرات بلاده في المنطقة دون أدنى رحمة أو شفقة مع مطالبته بالمزيد من ذلك خلال المرحلة المقبلة، وهذا بالطبع ضمن المسموح به من قبل الدولة العميقة في الولايات المتحدة، وهذا ما عكسته إجراءات التقشف والتقنين التي أعلنتها تلك الدول بسبب الازمات الاقتصادية التي ظهرت عليها رغم محاولات اخفائها وعدم اظهارها عبر إجراءات مضادة كإعادة العلاوات والمزايا الى موظفيها كما فعل النظام السعودي ، فالزيارة الاولى لولي ولي العهد السعودي جلبت وحدها للولايات المتحدة أكثر من مئتي مليار دولار ناهيك عن الوعود السعودية لترامب بفتح الأراضي السعودية للاستثمارات والشركات الأميركية بالإضافة الى عقود شراء أسلحة أميركية بمئات الملايين من الدولارات، وهذا ينطبق أيضا على النظام القطري والاماراتي والبحريني الذين أبرموا عقودا لشراء أسلحة وطائرات عسكرية ومدنية بمئات ملايين الدولارات.‏
بكافة الاحوال تبدو جعبة الرئيس ترامب بعد مئة يوم خالية من وعوده خاصة على المستوى الخارجي لجهة محاربة الارهاب و العمل على حل الازمة السورية انطلاقا من مقاربات ومعادلات الواقع الناشئ على الارض ، لكن المفارقة أن جعبته رغم خلوها من أي قدرة حقيقية على تحقيق تلك الوعود، إلا أنها تبدو فائضة بحكم رائحة الموت والخراب التي تفوح منها بخيارات مناقضة تماماً لما أعلنه وصرح به ترامب سابقا، خيارات قد يلتقي فيها الاخير مع النظام العميق الذي يحكم الولايات المتحدة والذي يبدو في أمس الحاجة في هذه المرحلة الصعبة التي تجتاح فيها اميركا رياح الهزيمة والعجز الى حروب كبرى بهدف العبث بالواقع وتغيير المعادلات والقواعد الناشئة وصولا نحو تموضع جديد يمكن الاخيرة من فرض املاءاتها وشروطها على المسرح الدولي، وهذه مغامرة كبرى قد تدفع بالجميع وفي مقدمتهم واشنطن الى عمق الهاوية.‏

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.