تبعية أردوغان تهدد بتفكك الدولة التركية

الانصار/…

من الكاتب د. محمد قاجو

إذا كان رأس النظام التركي أردوغان يبدو في هذه الأيام مضطرباً وفي حيرة من أمره, فإن هذا الاضطراب لا يعود فقط إلى تراجع الاقتصاد التركي والانخفاض المتسارع في سعر الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي , وإنما يعود أيضاً , وعلى نحو أخطر, إلى أن الأمريكي يريد منه كأداة أن يبذل كل ما بين يديه من أوراق اللعب دفعة واحدة , بينما هو يعرف جيداً أن موقع تركيا الجيو- سياسي الذي سمح له باللعب هو أيضاً موقع خطير بل وخطير جداً بالنسبة لتركيا التي يريد الأمريكي والغرب أن يضعها في مواجهة ايران وروسيا. فمشكلة أردوغان الآن مع أمريكا أنه مطلوب منه وبحكم الموقع الجيو- سياسي لتركيا أن يكون أول الملتزمين بالعمل وفق الخطة التي تستهدف روسيا وايران , بعد أن كان مطلوباً منه اللعب في الساحة السورية . وهذا يعني عملياً أنه مطلوب من تركيا أن تضع نفسها في حالة اشتباك مع ثلاثة جبهات في وقت واحد .
إن الأمر الذي لا ريب فيه هو أن البيت التركي الآن أشبه ما يكون ببيت العنكبوت . وإذا كان المراقبون يتابعون أوضاع الاقتصاد التركي والليرة التركية كمؤشر على المخاطر الاقتصادية التي تهدد تركيا , فإن الأمر في الواقع هو أكثر تعقيداً من ذلك . فالسياسات التي اتبعتها تركيا في ظل نظام أردوغان, وضعت تركيا في حالة قلقة بين القوى العالمية . فهناك من جهة تلك العلاقات القائمة بينها وبين الغرب, بأبعادها الاقتصادية والسياسية والعسكرية , وهناك من جهة ثانية العلاقات التي قامت بينها وبين الشرق , وخاصة مع روسيا, بأبعادها الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية , وهناك فوق ذلك تلك العلاقة التي نسجتها مع العصابات الإرهابية , وفي ضوء الحقيقة القائلة بأن العلاقة بين الشرق والغرب تتجه نجو مزيد من التوتر, فمن المنطقي القول بأنه قادم ذلك اليوم الذي تجد فيه تركيا نفسها مضطرة للمفاضلة في علاقاتها بين الشرق والغرب , وإذا هي فعلت ذلك, ولا تستطيع عملياً إلا أن تفعل , فإنه مهما كان الخيار الذي تلجأ إليه, فإنه سيعكس آثاره ونتائجه عليها بشكل يصعب التكهن بحجم آثاره وخاصة على اقتصادها , إذ من شأن ذلك أن يحرم الاقتصاد التركي من كتلة ضخمة من الموارد الناجمة عن التعامل الاقتصادي بين تركي وكل من روسيا وايران. وإن كانت هذه الآثار لن تقف عند حدود الاقتصاد. فسياسة أردوغان التي يتظاهر فيها بأنه يمسك بالعصا من الوسط, وأنه يجلب الفوائد لتركيا من علاقاته في اتجاهي الشرق والغرب , يصعب أن نتصور بأنها سياسة قابلة للديمومة والثبات. ونحن نلاحظ الآن كيف أن الغرب بدأ يضع تركيا أمام الخيار الصعب , وكيف انعكس تأثير الضغط الغربي على الاقتصاد التركي حتى قبل أن يتحول هذا الضغط إلى قرارات عملية. فمجرد وجود تركيا في وضعية التأرجح بين الشرق والغرب , والتأثير الناجم عن موقعها الجيو- سياسي بين الشرق والغرب , ومطالبة الغرب لها بأن تقلص علاقاتها مع الشرق, بل وأن تمارس دور مخلب القط في خدمة الغرب ضد الشرق , كل ذلك يضعها في حالة من التأرجح يصعب معها عليها أن تتخذ قرارات تعرف جيداً أن كل قرار منها له فاتورته الاقتصادية الواجبة الدفع, أو لنقل نتيجته الاقتصادية التي تنعكس على تركيا بالخسران.
ثم إن الحاكم التركي وهو يجد نفسه معرضاً للضغوط الأمريكية, يعرف يقيناً أن الحرب التي تبدأ اقتصادية لا بد وأن يجري تصعيدها لتكون أكثر من اقتصادية , وفي ضوء خبرته هو بالذات, ومن خلال مساهمته الفعلية في الحرب الكونية على سورية فإنه يعلم علم اليقين أن المرحلة التالية من المخطط الأمريكي ستتمثل في استخدام عصابات الإرهاب التكفيري, وكما أن تركيا جرى استخدامها لتكون قاعدة ومعبراً لهذه العصابات في استهداف سورية , فإن الأمر نفسه سيكون مطلوباً من تركيا في استهداف روسيا وايران . وهكذا فإن مشكلة تركيا لن تقف عند حدود الخطة الاقتصادية التي بدأت تعاني منها , فالأمريكي والغرب عموماً يريد من تركيا أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير, أي ممارسات سياسية وعسكرية واقتصادية كعضو في حلف الناتو من جهة وكدولة موالية لسياسات واشنطن من جهة ثانية , وهذا من شأنه أن يلحق أكبر الأذى بتركيا ويعرضها إلى مخاطر منها تفكك الدولة التركية ذاتها.

تبعية أردوغان تهدد بتفكك الدولة التركية
Rate this post

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.