الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية أم مجرد رد إعتبار وإعادة تموضع

 

موقع الأنصار/خاص

على الرغم من تحذير الناتو ومحاولات واشنطن لمنع تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة ، تبدي عديد الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي إصراراً كبيراً على بناء هذه القوة، نتيجة شعورها بالإحباط من سياسة الولايات المتحدة تجاهها، وعدم إظهارها ما يكفي من إحترام لمصالح تلك الدول، وسط مخاوف البعض من عدم جدوى مشاركتها في حلف الناتو وجدية حمايته لها، وباتت تطلع إلى ضرورة تنظيم القوات المسلحة الأوروبية دون الإعتماد على الناتو.

لم يعد الأوروبيون يحتملون مرارة السير وراء سياسة البنتاغون والخارجية الأمريكية، وباتوا على يقين أنهم يتبعون طريقاً خاطئاً ومعاكساً لمصالح دولهم وشعوبهم، وأن وجودهم في الحلف الأطلسي قد فقد بريقه، في وقتٍ تتجه فيه الولايات المتحدة نحو غير أحلاف وغير تكتلات ( أوكوس على سبيل المثال )، وبأنهم باقون لأجلها, ويعادون روسيا وإيران وبيلاروسيا وغير دول لأجل أجندات أمريكية بحتة، وبأنهم على أعتاب خوض المعارك لأجل إنقاذ الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط، وحروب البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وغيرها.

وفي سبتمبر/ ايلول الماضي، وتحت قبة البرلمان الأوروبي، اقترح حزب الشعب الأوروبي أكبر الأحزاب السياسية في الإتحاد الأوروبي ، إنشاء جيشٍ أوروبي جديد، يحرص أن يكون جزءاً من استراتيجية الدفاع والأمن المشتركة المستمرة للإتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من وجود معارضة سياسية لإنشاء هذا الجيش داخل الإتحاد الأوروبي، خصوصاً من الأدوات الأمريكية، الذين لم ينفكوا عن إعلان دعمهم لحلف شمال الأطلسي، إلاّ أن عدد المؤيدين آخذ في الإزدياد ، خاصة بعد كارثة إنسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان بعيداً عن التعاون مع الدول الأوروبية وإحترام وجود قواتها هناك أيضاً، وفي هذا الشأن أكد الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ، جوزيب بوريل :”يجب على أوروبا أن تصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة وأن تنشئ جيشها الخاص”، وتحدث عن ليلة الإنسحاب لصحيفة نيويورك تايمز بأن: “توقيت وطبيعة الإنسحاب تم تحديدهما في واشنطن”، ووجدنا أنفسنا نعمل وفق القرارات الأمريكية، وأكد أنه لا بد للإتحاد الأوروبي من العمل وفق “البوصلة الإستراتيجية الأوروبية”.

بالنسبة للدول الأوروبية ، تحول الناتو منذ فترة طويلة إلى ما يشبه “مغارة علي بابا”, التي تبتلع كل جهدٍ سياسي وعسكري لجيوش الدول المنضوية في صفوفه ، ويجبرها على ملئ بطون البيروقراطية السياسية والعسكرية، وأسماك القرش في المجمع الصناعي العسكري، المتمركزة عبر الناتو في واشنطن.

يبدو أن موقف من الإتحاد الأوروبي، يُقلق واشنطن والحلف الأطلسي ، ولا بد أن يبذل البيت الأبيض قصارى جهوده لإعادة الإتحاد الأوروبي إلى “رشده”، وبهذا الخصوص، صرّح الأمين العام لحلف الناتو بأن نوايا الإتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسه “ستؤدي إلى انهيار الناتو” وأن إنشاء الجيش الأوروبي المشترك سيؤدي إلى “تقسيم المنطقة”.
لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل خطر نشوء الجيش الأوروبي ومخاوفها من إنهيار الناتو، كذلك تحتاج أوروبا لطرح أسبابها، في وقتٍ لا يمكن لأوروبا أن تتحمل وحدها مسؤولية إنهياره ونتائجها، وعليه أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية ، في سبتمبر/أيلول الماضي، أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ :”إنه من الضروري الإسراع بإنشاء جيش الإتحاد الأوروبي لإنعدام الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين فضلت وزيرة الدفاع الفرنسي تقديم شيئاً من دبلوماسية الطمأنة بأن: “أي قدرات أوروبية ستقوي حلف شمال الأطلسي”.

وهذا يطرح السؤال عن حقيقة الموقف الفرنسي، أم هي مجرد صرخات حاولت باريس إظهار ألمها وإستيائها وشقيقاتها الأوروبيات من اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وبريطانيا في تحالف أوكوس، الذي يلحق الضرر بالعلاقات العسكرية مع الإتحاد الأوروبي.

أخيراً، هل تستطيع فرنسا وألمانيا تحويل الاتحاد الأوروبي إلى منافس جيوسياسي حقيقي للولايات المتحدة والدول الأنجلو ساكسونية التي انضمت إليهما ( أوكوس )، بدون سندٍ عسكري ؟ وهل يؤمن الإتحاد الأوروبي بأن الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية، أم أنها مجرد محاولات لرد الإعتبار وإعادة التموضع داخل الناتو، وتصحيح العلاقات الأمريكية – الأوروبية، وإلاّ فسيكون الكفاح المرير لإنشاء جيش أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة.

 

المهندس: ميشيل كلاغاصي

الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية أم مجرد رد إعتبار وإعادة تموضع
Rate this post

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.