تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة وسط خلافات داخلية وتدخلات خارجية

رغم مطالبة حزب الله وحلفائه في مجلس النواب بتشكيل حكومة في أسرع وقت لتمهيد الطريق لحل المشاكل السياسية والاقتصادية، يبدو أن هناك العديد من العقبات التي تجعل من الصعب حل الخلافات.

ومن أهم أسباب عدم الاتفاق على تشكيل الحكومة إصرار رئيس الوزراء نجيب ميقاتي على تشكيل حكومة مماثلة للحكومة الحالية، وهو ما عارضته بعض المجموعات السياسية. لذلك لم يبد نجيب ميقاتي أي جدية في تشكيل الحكومة منذ أن تولى مهمة تشكيل الحكومة للمرة الثانية، ولا يلتقي مع رئيس لبنان ميشال عون بشأن إصلاح هيكلية الحكومة الجديدة.

في الواقع، يفضّل ميقاتي أن تكون إدارة شؤون البلاد، حتى نهاية ولاية ميشال عون الرئاسية، وحتى نهاية تشرين الأول، بيد الحكومة المؤقتة. من ناحية أخرى، فإن تقسيم المناصب في الوزارات الرئيسية، بما في ذلك وزارة المالية ووزارة الخارجية، هو أيضًا أحد الأسباب التي أدت إلى وجود خلافات شديدة بين التيارات السياسية، بينما تحاول جميع الفصائل التمسك بهذه المواقف.

التحدي الآخر الذي يعيق تشكيل الحكومة هو أن بعض التيارات السياسية تريد إنهاء فترة رئاسة ميشال عون المقرب من حزب الله. تحاول هذه التيارات أن يتولى شخص مسيحي، خلافًا لسياسات حزب الله، الرئاسة من أجل تقليص قوة حزب الله ونفوذه في الهياكل السياسية. تنتهي ولاية ميشال عون في الحادي والثلاثين من تشرين الأول، لذا فإن الجدل الرئيسي في لبنان هو من سيكون الرئيس المقبل. كما أن شخصيات مثل سمير جعجع المشهور بعدائه لحزب الله تحاول الحصول على هذا المنصب بنفسه، وفي هذه الحالة يمكنه استخدام قدرته لضرب المقاومة. ومع ذلك، وكما ذكرت مصادر لبنانية، لم تتمكن أي من القوى السياسية من الاتفاق على مرشح واحد لمنصب الرئيس المقبل، وإضافة إلى تشكيل الحكومة، فإن عملية انتخاب الرئيس ربما ستواجه تحديات كبيرة. إذا لم تتمكن الكتل السياسية من التوصل لاتفاق على تشكيل الحكومة بنهاية سبتمبر، فإن تشكيل الحكومة سيكون مرتبطا بانتخاب الرئيس الجديد، واعتبارا لوجود خلافات كثيرة في هذا المجال، ستصبح الأزمة اللبنانية أكثر تعقيدًا من ذي قبل. بينما يعتبر حزب القوات زعيمه مستحقًا للرئاسة بناءً على نجاح الانتخابات الأخيرة سمير جعجع، يقال إن وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي مستعد لدعم سليمان فرنجيه زعيم حركة مراد وحفيد الرئيس السابق سليمان فرنجيه الذي كان من حلفاء دمشق السابقين في لبنان.

وحسب القانون اللبناني، تتطلب الانتخابات الرئاسية حضور ثلثي النواب البالغ عددهم 128 نائباً حتى يكتمل النصاب. أيضًا، وفقًا للدستور، يجب ألا يكون الرئيس مسيحيًا فحسب، بل مسيحيًا مارونيًا أيضًا. هذه القيود تجعل من الصعب للغاية انتخاب رئيس في بلد صغير مثل لبنان في ظل البرلمان المنقسم حاليًا.

يتواصل المأزق السياسي في لبنان فيما تتفشى أزمة العيش والوقود في هذا البلد ويزداد عمق هذه الكارثة يوما بعد يوم. وفي هذا الصدد، نزل آلاف اللبنانيين الشهر الماضي إلى الشوارع للاحتجاج على الأزمة الاقتصادية، وزادت هذه القضية من المخاوف من تصاعد الاحتجاجات الاقتصادية.

التدخل الأجنبي في طريقة تشكيل الحكومة

ورغم أن بعض التيارات السياسية داخل لبنان تحاول الحفاظ على حالة عدم الاستقرار السياسي في هذا البلد، لتقديم حزب الله باعتباره السبب الرئيسي لهذه الأزمات، إلا أن عوامل خارجية تدخل في ذلك أيضًا، ولا تسمح للبنان بالتخلص من هذا الوضع. تحاول السعودية والولايات المتحدة، اللتان فشلتا في هزيمة حزب الله في الانتخابات المقبلة ودخول مجلس النواب اللبناني، دفع التطورات في لبنان وفق خططهما من خلال استمرار العقوبات وإذكاء الخلافات السياسية. كما كانت تحركات السفير السعودي في بيروت، والاجتماع مع بعض الفصائل السياسية الموالية للرياض لتعيين رئيس وزراء موالٍ للسعودية، من العقبات الجدية في طريق تشكيل الحكومة. لأن السعوديين لن يسمحوا للبنان أن يرى السلام حتى يتأكدوا من وجود بيادقهم في الهيئة الحكومية.

من جهة أخرى، تماطل المجموعات السياسية في تشكيل الحكومة، فيما بدأت المفاوضات غير المباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة بشأن ترسيم الحدود البحرية، وباعتبار أن حزب الله يعارض بشكل قاطع تجاوزات إسرائيل والولايات المتحدة لنهب موارد الغاز في لبنان في البحر الأبيض المتوسط، تحاول سلطات واشنطن التظاهر بأن حزب الله يشكل عقبة جدية في حل الخلافات السياسية مع استمرار عدم الاستقرار السياسي في لبنان. وقفت الولايات المتحدة إلى جانب الصهاينة في مفاوضات الحدود البحرية وتحاول تخصيص حصة أكبر من الموارد في حقل غاز “كاريش” المشترك للكيان الصهيوني، لكن حزب الله يشكل عقبة كبيرة في طريق مطالب واشنطن.

بالنظر إلى أن قادة حزب الله هددوا مرارًا وتكرارًا بأنه إذا لم يستطع لبنان استخدام موارد الغاز، فلن يسمحوا لإسرائيل باستغلالها، يحاول مسؤولو البيت الأبيض استخدام هذه التهديدات للتظاهر بأن حزب الله يمنع التوصل إلى الاتفاقات. أمريكا لن تسمح بتشكيل حكومة في لبنان حتى تتأكد من نتائج مفاوضات ترسيم الحدود لمصلحة الكيان الصهيوني. لأن وجود حكومة قوية محسوبة على حزب الله سيعمل على حماية حقوق المصالح الوطنية اللبنانية، والتحالف بين الجماعات اللبنانية سيمنع واشنطن وتل أبيب من تنفيذ خططهما. لهذا السبب، فإن استمرار عدم الاستقرار السياسي هو في مصلحة أمريكا وإسرائيل، لاستغلال ضعف لبنان السياسي والحصول على المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات من سلطات بيروت.

على الرغم من أن حزب الله يحاول بكل قوته إخراج لبنان من المأزق السياسي، لكن طالما أن بعض القادة السياسيين يلعبون في ميدان الجبهة العبرية – العربية – الغربية ، فإن مساعي التوصل لاتفاق على تشكيل الحكومة وحل المشاكل الاقتصادية لن يذهب إلى أي مكان، لأن لبنان يحتاج إلى وحدة شاملة في الوضع الراهن، وحزب الله ليس سوى جزء من هذا المجتمع.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.